الشيخ محمد هادي معرفة

30

تلخيص التمهيد

فليصنع ما شاء . وتلك شهادات من أهل صناعة الأدب ، اعترفوا - عِبْرَ العصور - بأنّ القرآن فذّ في أسلوبه لا يمكن لأحد من الناس أن يقاربه فضلًا عن أن يماثله . قال الدكتور عبداللَّه دراز : من كانت عنده شبهة ، زاعماً أنّ في الناس من يقدر على الإتيان بمثله ، فليرجع إلى أدباء عصره ، وليسألهم : هل يقدر أحد منهم على أن يأتي بمثله ؟ فإن قالوا : نعم ، لو نشاء لقلنا مثل هذا ، فليقل لهم : هاتوا برهانكم . وإن قالوا : لا طاقة لنا به ، فليقل لهم : أيّ شيء أكبر شهادة على الإعجاز من الشهادة على العجز . ثم ليرجع إلى التأريخ فليسأله ما بال القرون الأولى ؟ ينبئك التأريخ أنّ أحداً لم يرفع رأسه أمام القرآن الكريم ، وأنّ بضعة النفر الذين أنغضوا رؤوسهم إليه باؤوا بالخزي والهوان ، وسحب الدهر على آثارهم ذيل النسيان « 1 » . التحدّي بفضيلة الكلام قد يقول قائل : إنّ صناعة البيان ليست في الناس بدرجة واحدة ، وهي تختلف حسب اختلاف القرائح والمُعطَيات ، ولكلّ إنسان مواهبه ومعطياته . وكلّ متكلّم أو كاتب إنّما يضع في بيانه قطعة من عقله ومواهبه ، ومن ثمّ يختلف الناس في طرق التعبير والأداء ، ولا يمكن أن يتشابه اثنان في منطقهما وفي تعبيرهما ، اللّهمّ إلّاإذا كان عن تقليد باهت . إذاً فكيف جاز تحدّي الناس لو يأتوا بحديث في مثل القرآن ، وهم عاجزون أن يأتوا بمثل كلام بعضهم ؟ ! لكن غير خفيّ أنّ لشرف الكلام وضعته مقاييس ، بها يعرف ارتفاع شأن الكلام وانحطاطه وقد فصّلها علماء البيان ، وبها تتفاوت درجات الكلام ويقع بها التفاضل بين أنحائه من رفيع أو وضيع . نعم ، وإن كانت القرائح والمعطيات هي المادّة الأُولى لهذا

--> ( 1 ) . النبأ العظيم : ص 75 .